الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
424
نفحات الولاية
ستلد في المستقبل وتقتفي آثار الخوارج ، وهذا ما حصل بالفعل حيث ظهر مثل هؤلاء الأفراد بعد سنوات ، بل قرون لينتهجوا ذات السبيل الذي سلكه أوائلهم . أضف إلى ذلك وكما أشير سابقا فقد نجى تسعة أفراد من أصحاب النهروان وفروا إلى مختلف المناطق ليرمموا هذه المدرسة الفاسدة ويعيدوا بنائها ممن جانب آخر فإننا نعلم بأنّ من حضر النهروان لم يكونوا جميع الخوارج ، بل الخوارج . ثم أماط اللثام عن تبوءة أخرى فقال عليه السلام : « كلما نجم « 1 » منهم قرن قطع » فالعبارة إشارة إلى وحشية الخوارج من جهة وأنّهم كالحيوان الذي له قرن لأذى الآخرين ، ومن جهة أخرى يشير إلى الانتكاسات المتتالية والهزائم المتتابعة التي يمنى بها الخوارج طيلة حياتهم المقيتة ؛ الأمر الذي تحقق تأريخياً وسنتعرض له في البحث القادم . ثم يختتم الإمام عليه السلام كلامه قائلًا : « حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين » وهذا هو الأمر الآخر الذي ثبت تحققه تأريخياً ، حيث تعرض أرباب التأريخ إلى عدد من مشهوري الخوارج ممن تحولوا إلى لصوص خطرين ، وسنعرض لهذا الأمر بالتفصيل لاحقاً . تأمّلات 1 - الخوارج ظاهرة لا فرقة يستفاد من كلام الإمام عليه السلام أنّ الخوارج لم يكونوا فرقة معينة ، يقدر ما كان يراهم الإمام عليه السلام ظاهرة حية طيلة التأريخ الإسلامي ، حتى أنّ القرائن تفيد أن هذه الظاهرة كانت على عهد رسولاللَّه صلى الله عليه وآله ، فقد أورد المفسر الجليل المرحوم الطبرسي عن أبي سعيد الخدري في ذيل الآية « وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ . . . » « 2 » أنّ رسولاللَّه صلى الله عليه وآله حين قسم غنائم قبيلة هوازن على المسلمين يوم حنين قام إليه حرقوصبن زهير وقال : اعدل يا محمد ! فقال رسولاللَّه صلى الله عليه وآله : فمن ذا يعدل إذا لم أعدل ؟ فقال عمر : دعني أضرب عنقه يا رسولاللَّه ، فقال صلى الله عليه وآله : « دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » وأضاف المرحوم الطبرسي وجاء في حديث آخر أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال :
--> ( 1 ) « نجم » من مادة « نجم » على وزن حجم بمعنى الطلوع ، كما يطلق على كل ظهور وطلوع مفاجىء . ( 2 ) سورة التوبة / 58 .